الشيخ محمد رشيد رضا
45
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فوجده نافعا ولكنه لا يعرف أية فائدة لكل جزء من أجزائه ونسبته إلى الاجزاء الأخرى ، وحسبه أن يعلم أن هذا الدواء المركب نافع يشفي باذن اللّه من المرض السعي بين الصفا والمروة من هذا النوع التعبدي ، فهو مطلوب بقوله تعالى فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما حج البيت قصده للنسك والاتيان بالمناسك المعروفة هنالك وسيأتي تفصيلها في هذا الجزء . والاعتمار مناسك العمرة وهي دون مناسك الحج فليس في العمرة وقوف بعرفة ولا مبيت بمزدلفة ولا رمي جمار في منى . والجناح بالضم الميل إلى الاثم كجنوح السفينة إلى وحل ترتطم فيه ، والاثم نفسه . وأصله من جناح الطائر . ويطوف بتشديد الواو من التطوف وهو تكرار الطواف أو تكلفه . والمعنى فليس عليه شيء من جنس الجناح - وهو الميل والانحراف عن جادة النسك - في التطوف بهما . وهذا التطوف هو الذي عرف في الاصطلاح بالسعي بين الصفا والمروة وفسرته السنة بالعمل ، وهو من مناسك الحج بالاجماع والعمل المتواتر ، وإذ كان مشروعا فسواء كان ركنا كما يقول مالك والشافعي وغيرهما أو واجبا كما يقول الحنفية ، أو مندوبا كما روي عن أحمد وقالوا في حكمة التعبير عنه بنفي الجناح الذي يصدق بالمباح : انه للإشارة إلى تخطئة المشركين الذين كانوا ينكرون كون الصفا والمروة من الشعائر ، وان السعي بينها من مناسك إبراهيم ، فهو لا ينافي الطلب جزما . وكذلك قوله تعالى وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً في هذا التطوف وغيره أو كرر الحج أو العمرة فزاد على الفريضة « 1 » أي تحمله طوعا - كما قال الراغب - فان التطوع في اللغة الاتيان بما في الطوع أو بالطاعة أو تكلفها أو الاكثار منها . وأطلق على التبرع بالخير لأنه طوع لا كره ولا إكراه فيه ، وعلى الاكثار من الطاعة بالزيادة على الواجب ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث الاعرابي « الا أن تطوّع » أي تزيد على الفريضة فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ أي فان اللّه يثيبه لأنه شاكر يجزي على الاحسان ، عليم بمن يستحق الجزاء وروى البخاري عن ابن عباس ما يدل على أن للسعي بين الصفا والمروة أصلا
--> ( 1 ) هذا التحقيق ظهر لي عند الطبعة الثانية لهذا الجزء